السيد كمال الحيدري
55
تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)
الفارق الأساس بين المرتبتين من أهم الفوارق بين هاتين المرتبتين للقرآن أنّ المرتبة العالية منه لا يمكن نيلها من خلال العقل وأدواته ومناهجه ، نعم يمكن نيلها من خلال طريق آخر سنتوفّر عليه لاحقاً . قال الطباطبائي : « قوله تعالى : وَإنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ تأكيد وتبيين لما تدلّ عليه الآية السابقة أنّ الكتاب في موطنه الأصلي وراء تعقّل العقول . والضمير في قوله « إنّه » للكتاب ، والمراد بأُمّ الكتاب اللوح المحفوظ كما قال تعالى : بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ « 1 » ، وتسميته بأُمّ الكتاب لكونه أصل الكتب السماوية يستنسخ منه غيره ، والتقييد بأُمّ الكتاب و « لدينا » للتوضيح لا للاحتراز . والمعنى أنّه حال كونه في أُمّ الكتاب لدينا - حالًا لازمة - لعليٌّ حكيم . والمراد بكونه عليّاً على ما يعطيه مفاد الآية السابقة أنّه رفيع القدر والمنزلة من أن تناله العقول ، وبكونه حكيماً أنّه هناك محكم غير مفصّل ولا مجزّى إلى سور وآيات وجمل وكلمات كما هو كذلك بعد جعله قرآناً عربيّاً ، كما استفدناه من قوله سبحانه : . . . كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيم خَبِير « 2 » . وهذان النعتان أعني كونه عليّاً حكيماً هما الموجبان لكون ( القرآن في مرتبته العالية ) وراء العقول البشرية ، فإنّ العقل في تفكّره لا ينال إلّا ما كان من قبيل المفاهيم والألفاظ أوّلًا ، وكان مؤلّفاً من مقدّمات
--> ( 1 ) البروج : 21 - 22 . ( 2 ) هود : 1 .